Skip to main content Scroll Top
حين تكون الذاكرة حماية للإنسان والمكان
حجم الخط
د. محمد مصطفى ابو عصبه

إنّ إنشاء أرشيف ومراكز بحث وتوثيق ومتاحف متخصصة في الموروث القروي ليس ترفًا ثقافيًا ولا مجرد محاولة للاحتفاظ ببعض الصور القديمة أو الأدوات التي كان يستعملها الأجداد. إنّه في جوهره فعلٌ لحماية الذاكرة وحماية الإنسان، وحماية علاقته بالمكان الذي عاش فيه آباؤه وأجداده.

فالقرية ليست مجرد بيوت وطرقات وأراضٍ. القرية هي ذاكرة الناس فيها: أسماء الحقول والوديان والينابيع شكل البيوت حجارة الجدران الآبار الأشجار الأدوات الزراعية الأغاني الأمثال الحكايات طرق الزواج والضيافة وحتى اللهجة والكلمات التي قد تختفي إذا لم نجد من يحفظها ويوثقها.

ولهذا فإن الموروث القروي يجب أن يُنظر إليه باعتباره وثيقة حيّة وليس مجرد بقايا من الماضي.

لماذا نحتاج إلى الأرشيف؟

عندما تحفظ القرية عقودها القديمة وخرائطها، وصورها وشهادات كبار السن، وسجلات العائلات فإنها لا تحفظ الماضي فقط بل تحفظ جزءًا من قصتها التي يمكن الرجوع إليها لفهم علاقتها بالأرض والمكان.

فالوثيقة القديمة قد تخبرنا أين كانت حدود أرض معينة والصورة قد تُظهر بيتًا لم يعد موجودًا اليوم وشهادة أحد كبار السن قد تحفظ اسم مكان اختفى من الخرائط الرسمية وخريطة قديمة قد تكشف كيف كانت القرية قبل أن تتغير معالمها.

وهنا يصبح الأرشيف أكثر من غرفة مليئة بالوثائق يصبح ذاكرة منظمة للمجتمع.

إن توثيق هذه المواد يساعد على حماية الذاكرة من الضياع والنسيان ويمنح الأجيال القادمة فرصة لمعرفة من أين جاءت وكيف عاش آباؤها وكيف تشكلت علاقتها بالأرض والمسكن.

التثبّت بالأرض يبدأ من معرفة قصتها

من الصعب أن يشعر الإنسان بعمق علاقته بمكان لا يعرف تاريخه.

عندما يعرف الطفل اسم الأرض التي كان جده يزرعها واسم البئر الذي كانت العائلة تستقي منه واسم الوادي الذي كان الناس يعبرونه ومكان البيت القديم والحكاية المرتبطة بكل موقع، يصبح المكان بالنسبة إليه أكثر من قطعة أرض.

يصبح جزءًا من ذاكرته وهويته.

ولهذا فإن توثيق أسماء الأماكن والحقول والوديان والينابيع والمقابر والبيوت والمسارات القديمة ليس مجرد عمل جغرافي. إنه حفظ لخريطة الذاكرة الجماعية.

وكل اسم يختفي دون توثيق هو جزء من قصة المكان يختفي معه.

والبيت أيضًا وثيقة

كثيرًا ما ننظر إلى البيت القديم باعتباره بناءً قديمًا ينبغي هدمه أو استبداله. لكن البيت في الحقيقة يستطيع أن يخبرنا الكثير عن المجتمع الذي بناه.

طريقة وضع الغرف والساحة، والمخزن والفرن والبئر ومكان الحيوانات ونوعية الحجر أو الطين المستخدم في البناء كلها تعكس نمط الحياة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والظروف المناخية التي عاش فيها الناس.

حتى المطبخ القديم يحكي قصة والباب القديم يحكي قصة والحجر الذي حمل آثار أيدي البنّاء يحكي قصة.

لذلك فإن حماية البيت القديم لا تعني بالضرورة تجميده كما هو بل تعني فهم قيمته وتوثيق تاريخه ثم ترميمه أو إعادة استخدامه بطريقة تحافظ على روحه وملامحه الأساسية.

من أرشيف إلى متحف ومن متحف إلى ذاكرة حيّة

يمكن للقرية أن تبني منظومة متكاملة لا مؤسسة واحدة فقط.

الأرشيف يجمع العقود والخرائط والصور والوثائق ويحفظها ورقيًا ورقميًا.

مركز البحث والتوثيق ينزل إلى الميدان ويقابل كبار السن ويسجل الروايات الشفوية ويدرس أسماء الأماكن واللهجة والعادات والمباني والحرف.

المتحف القروي يحول هذه الذاكرة إلى شيء يمكن للناس رؤيته ولمسه: أدوات الزراعة الأثاث الملابس أدوات الطبخ وسائل النقل الصور الوثائق ونماذج البيوت القديمة.

مركز الترميم يحافظ على المباني والأدوات التقليدية ويعمل على نقل المعرفة والحرف القديمة إلى جيل جديد.

أما المركز التعليمي فيأخذ الأطفال والشباب إلى داخل هذه الذاكرة من خلال الزيارات والورشات والقصص والمقابلات مع كبار السن.

وبذلك لا يبقى التراث حبيس خزائن مغلقة بل يتحول إلى معرفة حيّة تنتقل من جيل إلى جيل.

ما الذي يجب أن نحفظه؟

لا ينبغي أن ننتظر حتى يختفي الشيء كي نبدأ بتوثيقه.

من المهم جمع العقود والوثائق القديمة والخرائط والصور الجوية وصور البيوت والحقول والطرقات وتسجيل شهادات كبار السن وتوثيق أسماء الأماكن والمعالم الطبيعية وجمع الأدوات الزراعية والمنزلية والحرفية.

ويجب أيضًا تسجيل الأغاني والأمثال والحكايات والعادات والاحتفالات والأزياء واللهجة المحلية وتقنيات البناء التقليدية.

فما لا نكتبه اليوم قد لا نجد من يتذكره غدًا.

والأهم من جمع المواد هو رقمنتها وحفظ نسخ احتياطية منها مع تسجيل مصدر كل وثيقة وتاريخها وصاحبها أو الجهة التي تحتفظ بها حتى تصبح قابلة للبحث والاستعمال العلمي في المستقبل.

التراث ليس للماضي فقط

الخطأ هو أن ننظر إلى التراث باعتباره شيئًا انتهى.

فالتراث يمكن أن يكون جزءًا من المستقبل أيضًا.

يمكن للمتحف والأرشيف أن يفتحا المجال أمام السياحة الثقافية وأن يدعما الحرف والصناعات المحلية وأن يوفرا فرصًا للشباب في البحث والإرشاد والترميم والتوثيق.

ويمكن للبيوت القديمة عندما تسمح حالتها وقيمتها أن تتحول إلى متاحف صغيرة أو مراكز ثقافية أو فضاءات للتعليم والضيافة دون أن تفقد طابعها الأصلي.

وهنا يتحول التراث من شيء نتحسر عليه إلى مورد ثقافي وتعليمي واقتصادي.

والأهم: أن يكون أهل القرية أصحاب المشروع

لا يمكن بناء ذاكرة القرية من الخارج فقط.

الوثائق الرسمية مهمة والباحثون مهمون والجامعات مهمة لكن أهل المكان يحملون نوعًا آخر من المعرفةمعرفة لا توجد دائمًا في الكتب والخرائط.

كبير السن الذي يعرف أسماء الأراضي والمرأة التي تحفظ قصص البيوت والعائلات والفلاح الذي يعرف مجرى الوادي القديم والحرفي الذي يعرف كيف كان يُبنى البيت كل هؤلاء ليسوا مجرد رواة للذكريات إنهم حملة معرفة يجب أن تُسمع أصواتهم وتُوثق شهاداتهم.

ولهذا يجب أن يكون السكان شركاء حقيقيين في إنشاء الأرشيف والمتحف وإدارتهما وتحديد ما يستحق التوثيق والحفظ.

أضف تعليقاً

منشورات ذات صلة

الأكثر مشاهدة