تلخيص واستعراض- سامي العلي
تعيش قرية جسر الزرقاء، منذ النكبة الفلسطينية ، حصارا جغرافيا محكما ، فهي محاصرة من جهاتها الأربع: تحدها من الشمال المحمية الطبيعية الإسرائيلية وكيبوتس معجان ميخائيل، إحدى أقوى وأغنى البلدات في إسرائيل. ومن الشرق الشارع السريع (حيفا – تل أبيب) الملاصق لبيوت الأهالي، ويفتقر لمعايير الأمن والأمان( شهد هذا الشارع خلال سنين مضت حوادث دهس معظمها لأشخاص من سكان القرية). ومن الجنوب، يُحاصرها الجدار الذي يفصل بينها وبين مدينة الأثرياء “قيساريا”، والذي أقيم في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2002، ويصل ارتفاعه إلى نحو 10 أمتار، ويمتد على طول 1500 مترا؟ ويمكن إن هذا الجدار هو جدار الفصل العنصري الأول، الذي أقامته الحكومات الإسرائيلية للفصل بين بلدات عربية وبين بلدات فلسطينية وفقد سبق ترسيخه على الأرض، بناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية المحتلة. أما من الغرب، ففيحدها البحر المتوسط ، وهو عمليا المتنفس الوحيد لأهالي الجسر، أو كما قال لي أحد الشباب من القرية “البحر هو بصيص الأمل بالنسبة لنا”.
وعلى الرغم من كل هذه القيود تواجه القرية أربعة مخططات إسرائيلية جديدة تهدف إلى تحويل هذه الجغرافيا إلى مكان غير صالح للسكن ويخلو من ابسط امقومات الحياة.
المخطط الأول: المخطط الهيكلي الشامل
يهدف هذا المخطط إلى توسيع رقعة الحصار، وهو مخطط حكومي عرف باسم “المخطط الهيكلي الشامل”. وتقوم الحكومة بموجبه باستغلال واجهة التخطيط لمصادرة أراض من القرية، لضمها للمشاريع الاستعمارية التي تقوم الدولة عليها، مما يزيد من الحصار المفروض على القرية. ومن بين الطرق والتي تستغلها الدولة في هذا الباب توسيع مساحات الأراضي المخصصة لخدمة البلدات اليهودية المجاورة تحت زعم تسهيل حركة التنقل والسفر على حساب الأهالي على الرغم من أن القرية تحتاج لنحو 2000 دونما للتطور والتوسع خلال السنوات المقبلة. لكن المخطط الذي تقوم الدولة على تنفيذه لا يلبي احتياجات أهل القرية بتاتاً، بل يتجاهلها كليا ويوسع، عمليا رقعة الحصار ، مخصصا للقرية ببضعة دونمات لن تحل الأزمة السكنية المتفاقمة.
المخطط الثاني: غرب الجسر
يعرف هذا المخطط باسم “سعر للساكن”، وهو مخطط إسكاني سياحي تجاري يهدف للاستيلاء على نحو 300 دونم من أراضي القرية على بعد أمتار من الشاطئ، كانت إسرائيل قد استولت عليها عام 1948 ومنذ ذلك الوقت، منعت الأهالي من البناء عليها. وفي عام 2015، أطلقت إسرائيل مخططا جديدا غربي القرية ، غرب الجسر، يشمل مشروعاً إسكانياً لبناء 530 وحدة سكنية للأزواج الشابة. يطل المشروع على البحر لكن الشروط التي أرفقت به، للتملك، هي شروط لتعجيزية ليس بمقدور الأزواج الشابة تلبيتها، خصوصا من حيث الأسعار الباهظة، حتى ، أصبح حلم الأزواج الشابة بعيد المنال، ناهيك عن أن هذه الشروط لا تلائم الواقع المعاش إطلاقاً، لا يمكن لأي شاب أن يلبيها، او سقترب حتى من تلبيتها وشراء شقة .
المخطط الثالث: أراضي “الموارس”
هو مخطط فرضته إسرائيل في العامين الأخيرين على الأهالي، وذلك ضمن سياساتها الجديدة لمصادرة الأراضي المملوكة للفلسطينيين في البلدات العربية. وحسب المخطط، تصادر إسرائيل نحو 60% من مساحة الأرض الزراعية المملوكة للأهالي، والتي تصل لنحو 130 دونماً، وذلك بحجة “الصالح العام” ولصالح مشاريع توسيع المحمية الطبيعية وحماية مقطع “وادي التماسيح” الملاصق للأراضي والمواقع الأثرية القريبة. وعقب المخطط، بدأ أصحاب الأراضي معركتهم الطويلة لتعديل المخطط، وخفض نسبة المصادرة الكبيرة، ومعارضة ما يمليه المخطط من شروط بناء وتقسيمات وأشكال العمران. وما زالت المعركة مستمرة حتّى الآن.
المخطط الرابع: محو هويّة الشاطئ العربية
بدأ تنفيذ هذا المخطط عام 2015، ويهدف إلى تحويل شاطئ جسر الزرقاء لمحمية طبيعية إسرائيلية واحدة على امتداد خط الساحل. ويهدف المخطط عمليا ،إلى محو الهوية العربية الفلسطينية لشاطئ جسر الزرقاء وهدم قرية الصيادين العربية التي تشمل حوالي 36 كوخاً للصيادين من أبناء القرية ، وكانت قائمة منذ عقود.
يقتطع هذاالمشروع أراضي القرية المتوفرة للسكان ، ويهدد فرع الصيد، أحد أهم أشكال المعيشة للأهالي، وأحد أسباب وعوامل صمودهم . إذ أن المشروع يرمي عمليا ،إلى مصادرة حقوقهم وانتزاع السيادة على المكان، لصالح سلطة الطبيعة والحدائق كي تدير الموقع وتحدد قوانين وشكل تطوير قرية الصيادين، مع فرض قيود على فرع الصيد البحري ، لصيادي القرية، على الرغم من أنها تشكل بالنسبة لعدد كبير من أبناء القرية موروثاً عائلياً ينتقل من جيل إلى جيل. ويعيش أهالي قرية الصيادين اليوم حالة من القلق على مصيرهم، في ظل تنفيذ هذا المخطط الذي صادقت عليه سلطات التخطيط الإسرائيليةنهائيا. ويحاول الصيادون بشتى الوسائل الممكنة، الحفاظ على هذا الموروث الشعبي والتاريخي، وإنقاذ مهنة توارثوها منذ نعومة أظافرهم،. كما يشكل هذا الفرع جزءا أساسيا من الهوية الجماعية للقرية ، وتعريفهم الذاتي لأنفسهم من خلال ارتباطهم بالصيد البحري كجزء من هويتهم التاريخية والثقافية والاجتماعية وحتى المعيشية، التي ساندتهم في مواجهة سنوات الظلم والتمييز، ومكنتهم من البقاء على أرضهم ومنعت اقتلاع القرية ومحوها عن الخريطة.

