Skip to main content Scroll Top
“حماية الطبيعة” سلاحٍ تخطيطي لمحاصرة جسر الزرقاء
حجم الخط

سامي العلي 

على مدى سنوات طويلة وأنا أبحث وأنقب  في تاريخ جسر الزرقاء: نشوئها، وبنائها، ، وزراتها ومعيش أهلبها وتخطيطها العمراني، وتراثها البحري؟ وكنا بحثي يلزمني النظر في كفاح أهلها للبقاء، وطرق صمودهم، ونضالهم المتواصل  من أجل العدالة :المكانية والاجتماعية في هذه القرية، التي تُعد من أفقر وأكثر البلدات تهميشًا في إسرائيل. وكلما تعمّقت في الوثائق، ونقاشات اللجان، والقرارات المؤسساتية، وفي تاريخ المنطقة، ارتسمت  أمامي صورة واحدة، حادّة ومؤلمة: قريتنا لم تُهمل فحسب، بل جرى إغلاقها وحصارها. عن وعي، وبمنهجية، وعلى امتداد عقود. من امتلك القوة استخدمها، ومن لم يمتلكها دفع الثمن.

حان الوقت لكشف الحقيقة كاملة، بمسؤولية ودون تشتيت. إذ نشكل بلدات شاطئ الكرمل، وعلى رأسها قيساريا ومعجان ميخائيل، القوة المركزية التي تقود منذ سنوات معارضة كل مخطط من شأنه أن يتيح لجسر الزرقاء أن تتطوّر، أو تنمو، عمرانيا أو حتى أن تتنفس. هذه ليست رواية. إنها حقيقة تخطيطية وتاريخية.

ففي زمنٍ يُفترض أن يوفّر فيه التخطيط  العمراني، المساواة والفرص والعدالة التوزيعية والبيئية، تحوّلت قرية جسر الزرقاء إلى حالة شاذة لا مثيل لها: بلدة كاملة محاطة بعوائق مادية وتخطيطية — طرق مركزية، وساتر ترابي، ومحميات طبيعية، ومواقع أثرية، وغياب مجال حيوي، وكثافة سكانية وسكنية خانقة — تمنعها من تطوير السياحة، أو بناء فضاء اقتصادي، أو صياغة مستقبل مجتمعي مستدام. إنها سياسة تُقوّض وتهدم أركان  مقوّمات القوة الكامنة في البلدة، وتغرقها في بحر من الضعف والأزمات وواقع كارثي مهين.

من المهم التأكيد على أن المعارضة المتكررة والمثابرة التيي تبديها كل من  قيساريا ومعجان ميخائيل لكل مخطط يهدف إلى النهوض بمستقبل القرية ليست صدفة. ولا هي عفوية، بل هي  نمط  استعلائي عنصري متواصل ومستمر، يكرّس الحصار. ومن أكثر رموز  تجليات ممارسة القوة المكانية فجاجة في المنطقة هو  الساتر الترابي الذي أقامته قيساريا عام 2002، والمعروف باسم “جدار الفصل”. هذا الجدار لا يفصل فقط بين بلدتين متجاورتين، بل يجسّد تميزاً عنصريًا  وطبقيًا بين بلدة يهودية غنية وأخرى عربية فقيرة على الساحل. كما يجسد فصلًا قوميًّا بين سكان يهود وسكان عرب.

هذه ليست خطوة هندسية بريئة، بل رسالة مكانية-حيّزيّة واضحة: هنا ينتهي عالم جسر الزرقاء، ويبدأ عالمنا. لقد تحوّل هذا الجدار إلى رمز للأبارتهايد والعزل والقطيعة، ولانعدام الامتداد المكاني الجغرافي، ولغياب العدالة الاجتماعية المستمر.

حتى المقبرة لم تسلم من تبعات هذه السياسة. فقبل عقدين فقط، كان بإمكان أهالي القرية الوصول إلى مقبرتهم “الشيخ سالم” — موقع مقدس تاريخي سبق إقامة جميع البلدات الحديثة المحيطة بها- لكن الطريق أُغلق لاحقًا، وهذه المرة على يد كيبوتس معجان ميخائيل وسلطة “حماية” الطبيعة والحدائق. منع الوصول إلى مكان مقدس ليس مجرد “تخطيط” عمراني حضري عفوي، بل  خطوة سياسية تتجاوز خطًا أخلاقيًا أحمر.  وتنتهك حرمة وكرامة الموتى في سياق وسائل السيطرة على الحيّز.

في ظل هذا الواقع، تُستَخدم “حماية الطبيعة” كسلاحٍ تخطيطي سيفا مسلطا على رقاب أهالي القرية، ولا يكتفى بها ذريعة أمام القانون. فعندما بدأت الدولة ،  قبل نحو عقدين، باعداد مخطط هيكلي لجسر الزرقاء، أطلق  كيبوتس معجان ميخائيل مبادرة بدت بريئة في ظاهرها :  إقامة “حديقة للطيور” في قلب  مزارع الأسماك الجنوبية التابعة للكيبوتس والملاصقة لجسر الزرقاء. نظّم الكيبوتس جولات للصحفيين، ووزّع مواد علاقات عامة عن الحديقة التي ستشكّل — بحسب الادعاء — محطة للطيور وتسهم في حماية الطبيعة. لكن سرعان ما تبين أن الخطوة هدفت عمليًا إلى تكريس مكانة مزارع الأسماك كموقع طبيعي محمي، وذلك قبل أن تولد أي خطة فعلية لجسر الزرقاء.

لكن أيّن كانت  “حماية طبيعة” هذه، حين كانت مدافع الضجيج تُطلق كل ليلة لسنوات حول برك الأسماك لطرد طيور البجع وابعادها، وكان إطلاقها  يهزّ القرية بأكملها؟ ولكن عندما  أُحبطت خطوة توسيع البلدة باتجاه برك الأسماك، صمتت المدافع فجأة.

وأيّن كانت  “حماية طبيعة” هذه، حين فُرضت في إطار مخطط “الموارس 1080” قيودٌ جوهرية على أراضي سكان جسر الزرقاء بذريعة حماية “قيم طبيعية حساسة”، و عندما أُودِع مخطط 2040 الخاص بمعجان ميخائيل للمصادقة عليه، اختفت تلك القيم فجأة؟ النهر نفس النهر لم يتغير ولم يتحرك من مكانه و البيئة الإيكولوجية ذاتها ظلت على ما هي عليه، فقط ما رسخ على أرض الواقع هو اعتماد نظامي قواعد مختلفين لمجموعتين سكانيتن.  هذا ليس طبيعة — هذا تمييز.

غير أنّ القصة أكبر من التخطيط المحلي. الصراع على الحيّز المكاني في جسر الزرقاء ليس مجرد خلاف بين جيران، بل هو اختبار لمؤسسات الدولة: هل سنسمح بخنق مجتمع مُهمَّش للحفاظ على “الهدوء والاتساع” لبلدات قوية؟ هل سنواصل استخدام الطبيعة ذريعةً للمساس بحقوق إنسان أساسية؟ وهل ستستمر في تكريس فجوات وُلدت في حقبة استعمارية واستمرّت حتى اليوم؟

جسر الزرقاء ليست تهديدًا ولا جسمًا غريبًا. إنها جزء أصيل من الساحل، ومن البيئة، ومن النسيج الإنساني في البلاد. ليست “عائقًا” كما يحلو للبعض في البلدات المحيطة بنا وفي المكاتب الحكومية تسميته. إنها بلدة ذات إمكانيات سياحية وثقافية وتاريخية هائلة. هي لا تحتاج إلى صدقات، بل إلى حقوق.

حان الوقت لوضع حدّ للحصار المكاني الجغرافي. بعد عقود من الإغلاقات، والجدران، والتمييز التخطيطي، وغياب الامتداد المكاني، لا بدّ من تغيير جذري. لا ترقيع، ولا تسوية، ولا توسّع مؤقّت لرقعة الحصار — بل عدالة.

إنه نضال من أجل مستقبل بلدة سُجنت خلف جدران لم تُبنَ من حجارة، بل من قوة، ومصالح، وسياسات تخطيطية عنصرية، وتصورات إثنومركزية يجب أن تزول. أنا أؤمن بمستقبل جسر الزرقاء، وأؤمن بحقها في التطور والتوسع والعيش بندّيةٍ وكرامة ومساواة. وحان الوقت لأن تؤمن الدولة بذلك أيضًا، وأن تتوقف عن تكريس آليات الحصار التي تُخلّد ظلمًا تاريخيًا.

أضف تعليقاً

منشورات ذات صلة

الأكثر مشاهدة