Skip to main content Scroll Top
حين تُمحى الأسماء تُمحى الذاكرة- دعوة إلى استرداد المكان والهوية
حجم الخط

بقلم الدكتور محمد مصطفى جربان، عضو ادارة مركز الموروث الجسراوي

إن ذاكرتنا الجمعية ليست مجرّد سردٍ لأحداثٍ مضت، بل هي سجلٌّ حيٌّ لما شكّل وجداننا الجمعي وهويتنا الثقافية. ومن هنا، تقع على عاتق المواطن والسلطة معًا مسؤولية استذكار كل ما اندثر أو مُحي من وعينا الجمعي بفعل سياسات التعتيم والقمع، مثل تلّ مبارك، جورة السلمون، بركة البط، الشومرية، الموارس، الدبدبية، الحريقة، النطار، البرّة، مقبرة زدان، مقبرة الشيخ سالم والقطوع، وما إلى ذلك من أسماء كانت تملأ المكان عبقًا وذاكرة، ثم غابت تحت ركام النسيان المتعمّد.

تُعَدّ الذاكرةُ الجمعية لأيّ أمّةٍ ركيزةً أساسية في بناء هويتها واستمرار وجودها التاريخي، إذ تمثّل مجموع العناصر المادية وغير المادية التي تربط أفرادها بماضيهم، وتمنحهم شعورًا بالانتماء إلى مسارٍ حضاريٍّ متواصل. فهي تتجلّى في المعالم الأثرية والنُّصُب التذكارية والمباني ذات القيمة الرمزية، كما تنعكس في الموروث غير المادي من عاداتٍ وتقاليد وشعائر ورواياتٍ شفوية وأشعارٍ تشكّل مرآةً لروح الأمة وتجاربها المشتركة.

هذه العناصر، حين تتكامل، تُنشئ وعيًا جمعيًا يشكّل وجدان الأمة ويرسم معالم هويتها الثقافية، ويثبّت منظومة القيم التي تستقي منها قوتها واتجاهها المستقبلي. ومن خلالها تتجدد صلة الأجيال بجذورها، لتكون الذاكرة الجمعية حلقة وصلٍ بين الماضي المجيد والحاضر الفاعل والمستقبل المأمول.

غير أنّ الحفاظ على هذه الذاكرة لا يمكن أن يُترك لعفوية الأفراد أو مبادراتٍ محدودة، بل يتطلّب منظومة مؤسسية متكاملة تكون السلطات العامة في قلبها.

فالسلطة المحلية عبر مؤسساتها الثقافية والتعليمية، تتحمّل مسؤولية دستورية وأخلاقية في صون هذا الموروث وحمايته من الاندثار أو التشويه. ويتطلّب ذلك وضع ارشادات واضحة لحماية الآثار والمواقع التاريخية، وإنشاء أرشيف يُوثّق التراث المادي واللامادي، ودعم المؤسسات المهتمة بتاريخ البلدة وثقافتها.

كما ينبغي أن تعمل المؤسسات التعليمية والثقافية على دمج الذاكرة الجمعية في المشروعات التربوية، لتتحول من سجلٍّ للماضي إلى مصدرٍ لبناء الحاضر وتنمية الوعي الوطني.

فالسلطة، حين تمارس هذا الدور بوعي ومسؤولية، تؤكد أنها ليست مُديرةً لشؤون اليوم فقط، بل حارسةٌ للهوية ووصيّةٌ على الذاكرة التي تشكّل روح البلدة. إن التفريط في الذاكرة هو تفريط في الذات، وصونها استثمارٌ في المستقبل، لأن الأمم التي تحفظ تاريخها تحفظ قدرتها على البقاء والاستمرار.

أضف تعليقاً

منشورات ذات صلة

الأكثر مشاهدة